تقرير بحث الشيخ السبحاني لحسن مكي العاملي
215
نظرية المعرفة
والوئام والتآلف . أو لا ، كما لو لوحظ كلّ منهما مع النقطة الهندسية ( آخر الخط ) ، فإنّ الّذي يتراءى حينذاك هو حالة التباين والتخالف ، وفقدان الارتباط والانسجام ، وكل ذلك ضروري . وهاتان الحالتان ( الانطباق وعدمه ) لا تختصان بالأمور الخارجية ، بل تتحقق أيضاً في الإدراكات الذهنية إذا نسبت إلى الخارج ، فلا أحد يشك في أنّ قولنا : « الأربعة أكثر من الثلاثة » ، قضية تنطبق على الواقع ، كما أنّ قولنا : « الثلاثة أكثر من الأربعة » ، تباينه وتعانده . والتدبر في هاتين الحالتين أوجب تقسيم الإدراكات التصديقية إلى صائبة وخاطئة ، فيقال : قضية صادقة أو كاذبة . وعلى ذلك ، فالصواب والخطأ لا يطلقان إلّا بعد تحقق أُمور : 1 . قياس النسبة الموجودة في القضية إلى واقعها . 2 . تحقق الاتّحاد بين المقاس والمقاس عليه ، وعدمه . 3 . الحكم بأنّ هذا ذاك ، أو أنّ هذا ليس بذاك . وعلى ضوء الأمر الأوّل ، لا يعقل الصواب والخطأ في المعاني المفردة ، والمفاهيم التصورية ، لأنّ المقايسة لا معنى لها إلّا بوجود أمرين : النسبة الموجودة المدرَكة ، وواقعها . والمفهوم المجرّد عن المحمول والنسبة مثل : « زيد » ، لا يقاس إلى شيء آخر . وعلى ضوء الأمر الثاني يظهر لزوم التجانس بين القضية المدركة وواقعها ، فلو لم يكن هناك تجانس وتناسب لما صحّ الوصف بالصواب والخطأ ، لخروج المحل عن قابلية الاتّصاف بأحدهما . فلو لاحظت القضية المتقدمة « الأربعة أكثر من الثلاثة » مع قضية أُخرى غير مجانسة ، كقولنا : « الألماس يقطع الزجاج » ، لم تتصف الأُولى بالصواب والخطأ . وعلى ضوء الشرط الثالث ، يظهر أنّ التطابق الواقعي وعَدَمَه ، لا يكفيان في تحقق الصواب والخطأ ، بل يتوقف تحققهما على الحكم بالاتّصاف أو بسلبه ، وأنَّ هذا ذاك أو أنّه ليس بذاك . فلو لم يكن في الوجود متعقِّلٌ ومتصوِّر ، لما حكم على قضية بالصواب والخطأ ، لفقدان الحكم والإذعان والتصديق .